السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

501

مفاتيح الأصول

المتأخرين لرأي الشيخ أكثر من مخالفة القدماء بعضهم من بعض بمراتب شتى بل الوجدان يشهد بأنهم في كلّ مسألة مسألة يتأمّلون ويجتهدون ومن كثرة الملاحظة وتجديد النظر وقع منهم اختلاف كثير في فتاواهم بل في كتاب واحد ربّما يفتون بفتاوى مختلفة وقال الثالث يظهر لكل ناظر منع متابعة الفقهاء المتأخرين عن الشيخ له في الفتوى أولا إذ لم نجدها بل وجدنا خلافها كثيرا ولو سلَّمت فإنما هي بالدّليل لا بالتقليد فإنّ عدالتهم تمنع عن ذلك مع تصريحهم بحرمة تقليد المجتهد الآخر وإن حسن ظنّهم به فإن أراد بقوله تقليد التقليد بهذا المعنى فوافضيحتاه لاستلزامه تفسيق مجتهدي المتأخرين عن الشيخ بتقليدهم له من غير دليل فظهور فساده كاف في بيان فساده وإن أراد به المطابقة له في القول بالدليل فمثله جار في مجتهدي القدماء أيضا مع أنه يقول بقبول الظن المستفاد من الشهرة بينهم ثم قال دام ظلَّه تبعا لجدّي الصّالح هذا مع أن الجواب على تقدير صحّته إنّما يمنع حصول قوّة الظنّ من الشهرة المتأخرة لا مطلق الشّهرة كما ترى انتهى ومنها ما ذكره في الذكرى من أن عدالتهم تمنع من الاقتحام على الإفتاء بغير علم ولا يلزم من عدم الظفر بالدّليل عدم الدّليل خصوصا وقد تطرق الدّروس إلى كثير من الأحاديث لمعارضة الدّول المخالفة ومباينة الفرق المتنافية وعدم تطرق الباقين إلى الرد له مع أن الظاهر وقوفهم عليه وأنهم لا يقرّون ما يعلمون خلافه فإن قلت لعلّ سكوتهم لعدم الظفر بمستند الحكم من الجانبين قلت فيبقى قول أولئك سليما عن المعارض انتهى وفيه نظر لأنه إن أراد أن الشهرة تفيد الظَّن فقد عرفت ما فيه ومع ذلك فمرجعه إلى الدّليل المتقدم فيكون تكرارا وإن أراد أن ذلك مفيد للعلم كما استفاده السّيّد الأستاذ من كلامه فهو ممنوع سواء أراد إفادته العلم بنفس الحكم الواقعي أو بدليل معتبر إذ كم عثرنا على الشهرة ولم يتحقق لنا العلم بأحد الأمرين وما رأينا أحدا ادعاه نعم لا ننكر أن يبلغ الشهرة إلى حدّ يحصل معه العلم لكن هذا لا يفيد أصلا كليا في الشّهرة على أن التسمية بالشهرة حينئذ بعيد عن الاصطلاح وقد أشار إلى بعض ما ذكرنا صاحب المعالم فقال بعد الإشارة إلى قول الشهيد لأن عدالتهم إلى آخره وهذا الكلام عندي ضعيف لأن العدالة إنّما يؤمن معها تعمّدا لإفتاء بغير ما يظن بالاجتهاد دليلا وليس الخطاء بمأمون على الظنون انتهى فإن قلت إن ذلك وإن لم يفد العلم بنفس الحكم ولكن لا إشكال في أنّه يفيد العلم بدليل لا يجوز العدول عنه كخبر معتبر أو إجماع منقول أو ظاهر كتاب أو سنّة أو نحو ذلك وذلك كاف في حجّية الشهرة قلنا ذلك ممنوع أيضا كما أشرنا إليه سلَّمنا ولكن نطالب بدليل حجيّة الدّليل المعلوم إجمالا لا تفصيلا فتأمل ومنها ما ذكره في الذكرى أيضا فقال بعد ما نقلنا عنه سابقا وقد كان الأصحاب يتمسكون بما يجدونه في شرائع الشيخ أبي الحسن ابن بابويه عند إعواز النّصوص لحسن ظنهم به وأن فتواه كروايته وبالجملة تنزل فتاويهم منزلة روايتهم هذا مع ندور هذا الفرض إذ الغالب وجود دليل دال على ذلك عند التأمل انتهى وفيه نظر للمنع من دعوى الإجماع المزبورة كيف لا وقد قيل إن المشهور أن الشهرة ليست بحجّة ومع هذا فالعبارة ليست صريحة في دعوى الإجماع ومنها أن الشهرة الحاصلة من اتفاق جمع كثير من غير العلماء ليست بحجة فيلزم أن تكون الشهرة الحاصلة من اتّفاق جمع كثير من العلماء حجة وإلَّا لزم مساواة العلماء مع الجهّال والأصل عدمها لعموم قوله تعالى هل يستوي الَّذين يعلمون إلى آخره لا يقال يلزم على هذا أن يكون فتوى العالم الواحد حجّة لأن فتوى الجاهل الواحد ليست بحجّة لأنا نقول خرج هذا ونحوه بالدليل ولا دليل على خروج محلّ البحث فيبقى مندرجا تحت العموم وفيه نظر ومنها أن فتوى المعظم أخبار العدول والفرق بين الفتوى والخبر اصطلاحي لا لغويّ فيجب قبولها لعموم مفهوم قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره وفيه نظر ومنها عموم المنزلة في الحديث المشهور علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل وفيه نظر وللآخرين وجهان أحدهما أن الشهرة لو كانت حجّة لزم أن لا تكون حجة لما ذكره السّيّد الأستاذ ره فإنّه قال الشّهرة مؤيدة وليست بحجة على المشهور ما لم تبلغ القطع لأن الأصل عدم حجيّة الظنّ ولأنها لو كانت حجّة لزم أن لا تكون حجة لثبوت الشهرة في عدم حجية الشهرة وليس غيرها أولى بالاعتبار منها واعتبارها مطلقا يناقض وفي البعض ترجيح من غير مرجح فوجب سقوط اعتبارها انتهى وقد أشار إلى ما ذكر والدي العلَّامة وقد يناقش فيه بالمنع من مصير المعظم والأكثر إلى عدم حجيّة الشهرة في المسائل الشرعية إذ لا دليل عليه لا يقال الدّليل عليه أمور الأول أنه لو كانت الشهرة عندهم حجة لاعتمدوا عليها في المسائل الشرعية ولذكروها من جملة الأدلَّة الَّتي يتمسكون بها على حكم والتالي باطل فإنا لم نجد منهم ذلك الثاني أنها لو كانت حجة لتصدوا لإثبات حجيّتها وعقدوا له بابا كما في إثبات غيرها من المسائل الأصوليّة وذلك لكثرة تحققها وشدة الحاجة إليها والتالي باطل جدّا الثالث أن أكثر المتقدمين كالسّيّد المرتضى وابن زهرة وابن إدريس وابن البرّاج على عدم حجيّة الظن في المسائل الشرعية ومن الظاهر أن هذا يستلزم عدم حجيّة الشهرة لأنها لا تفيد إلا الظن فيصح ادعاء أن أكثر المتقدمين على عدم حجيّة الشهرة وأمّا المتأخّرون فأكثرهم كالشهيد الثاني وابنيه صاحب المدارك والمعالم والمقدس الأردبيلي والفاضل الخراساني صاحب الذّخيرة والفاضل البهائي وغيرهم على عدم حجيّة الشهرة كما يظهر من التتبع في كلماتهم فإذا انضم هؤلاء إلى الَّذين تقدّم إليهم الإشارة صحّ أن يقال إن المشهور عدم حجيّة الشهرة الرّابع ما ذكره